حيدر حب الله

192

شمول الشريعة

ب - وأمّا من الناحية الدلاليّة ، فإنّ هذا الخبر يقترب بنا أكثر من التفسير الذي طرحناه لمفهوم الحدود ، وهي النهايات التي يحقّ أن يصل إليها الشيء ولا يتعدّاها ، فالتعبير هنا أراد تبيين حدّ التوكّل واليقين من خلال بيان النقطة الأقصى التي يصلانها ، وهذا منسجم أكثر مع مفهوم الحدود والأطر التي ذكرناها أكثر من انسجامه مع مفهوم فكرة الحكم الشرعي من وراء الحدّ . فالحدود هي التي تعيّن حركة الإنسان داخلها ، لكنّها لا تنفي كون ما في داخل الحدود ليس مبيّناً له جميع الأحكام ، بل يترك أحياناً للإنسان كي يضع القوانين فيها . الرواية السابعة : خبر ( عبد الله بن ميمون ) ابن القدّاح ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : ما من شيء إلا وله حدّ ينتهي إليه ، إلا الذكر ، فليس له حدّ ينتهي إليه ، فرض الله عز وجل الفرائض فمن أداهن فهو حدّهن ، وشهر رمضان فمن صامه فهو حدّه ، والحج فمن حجّ فهو حدّه ، إلا الذكر فإنّ الله عزّ وجل لم يرض منه بالقليل ، ولم يجعل له حداً ينتهي إليه . . « 1 » . والخبر ضعيف السند بجعفر بن محمّد الأشعري وسهل بن زياد ، ودلالته تساعدنا مرّةً أخرى على تفسيرنا لمفهوم الحدّ من زاوية بحثنا هنا ، أي المدى الذي يمكن أن يصله الشيء ولا يتخطّاه ، فيكون الحديث أعمّ في الدلالة من مفهوم شمولية الشريعة بالمعنى المشهور للكلمة . بل هذا الحديث بالخصوص واضح في عدم كونه بصدد بيان مفهوم الشمولية القانونيّة ، بقدر ما هو في مقام بيان المدى المنظور للشيء بحيث لا يستدعى الإنسان لتكراره مرّةً تلو الأخرى ، أو فقل : نسبة الإتيان بالشيء ، وأين هذا من مفهوم شموليّة الشريعة ؟ ! الرواية الثامنة : صحيح سماعة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إنّ لكلّ شيءٍ حدّاً ، ومن تعدّى ذلك الحدّ كان له حدّ « 2 » . والخبر تامّ السند ، رغم تفرّد الكليني بنقله ، ودلالاته صارت واضحة في ضوء قراءتنا لمفهوم حديث ( كلّ شيء فله حدّ ) ، وبهذا يُفهم أيضاً معنى أنّ تعدّي الحدّ يثبت حدّاً ، وذلك أنّ الحدّ الثاني هو العقوبة أو الأثر القانوني ، وربما سمّي بالحدّ لأنّه يحدّ حركة الإنسان عن فعل المعاصي والجرائم ، ويضع لذلك نهاية ، وبهذا يكون الحديث مستهدفاً إثبات أنّ الأفعال

--> ( 1 ) الكافي 2 : 498 . ( 2 ) المصدر نفسه 7 : 175 .